محمد عبد الله دراز

242

دستور الأخلاق في القرآن

ولا ريب أننا نتكلم عن المسؤولية بالمعنى الحقيقي ، الّذي قد يتفاوت في قوته ، وقد يحدث أن يستخدم هذا الاصطلاح بتوسيع دلالته ، أو إضعافها ، ليدل على مجرد تبني العمل . ولو لم يوجد إلزام ، ولا إمكانة سؤال ، أو إجابة ، فمنذ كان الخالق وحده في هذا العالم ، « إلها متفردا » ، يتصرف فيه متحكما ، فإنّه بهذا الاعتبار هو الصّانع المسؤول عن أعماله ، بأكمل معاني الكلمة ، سبحانه وتعالى . فلنقتصر إذن على مفهوم المسؤولية الإنسانية ، الّتي إن لم تفترض سلفا فكرة إلزام صارم ، فعلى الأقل : الفكرة المعادلة لمثل أعلى ، اصطلح عليه مقدما ، بحيث يرى الإنسان أنّه مسؤول عنه أمام نفسه . وفي الدّراسة التّالية ، سوف نبحث أوّلا الصّفات العامة الّتي تنبع من تحليل هذه الفكرة ، ثمّ شروطها من الوجهة المزدوجة : الأخلاقية ، والدّينية ، وأخيرا جانبها الاجتماعي . 1 - تحليل الفكرة العامة للمسئولية : ينتج عن التّحديد الاشتقاقي الّذي رأيناه - أنّ هذه الفكرة تشتمل على علاقة مزدوجة من ناحية الفرد المسؤول : علاقته بأعماله ، وعلاقته به من يحكمون على هذه الأعمال . فأمّا من ناحية العمل ، فإنّ مصطلح ( المسؤولية ) ، بعكس ما كان يعتقد ، لا يدل ابتداء على علاقة واقع ، بل على علاقة حقّ يقره ، ويجب أن يسبقه في أحكامنا الخاصة . والمسؤولية قبل كلّ شيء استعداد فطري ، إنّها هذه المقدرة على أن يلزم المرء نفسه أوّلا ، والقدرة على أن يفي بعد ذلك بالتزامه بوساطة جهوده الخاصة .